علي الهجويري
130
كشف المحجوب
ثم قال فضيل : يا أمير المؤمنين ! أخشى على وجهك السمح من عذاب النار ، فاخشى اللّه وأحسن عبادته . فسأله هارون : هل عليك ديون ؟ . فأجاب نعم على دين للّه وهو طاعته ويلي لو طلب منى سداده ، فقال هارون : يا فضيل إني أتحدث عن ديون الناس فأجاب : الحمد للّه إن كرمه على كبير ، وليس هناك ما يجعلني أشكوه لعبيده . فقدم له هارون ألف دينار وقال استخدمها في غرض من أغراضك . فقال فضيل : يا أمير المؤمنين لم يفدك نصحى ها أنت تخطئ ولا تعدل . فسأله هارون مندهشا : وكيف ذلك ؟ . فأجاب : أريد نجاتك وتريد هلاكى . أهذا عدل ؟ فانصرفنا والدموع تملأ عيوننا . وقال : يا فضيل إن فضيلا ملك حقا . وإن هذا كله يظهر بغضه للدنيا وأهلها ، واحتقاره لمباهجها ، ورفضه أن يذل نفسه لأهل الدنيا لمغنم دنيوي . وله مناقب أكثر من هذه لا يتسع لها المقام . 9 - ومنهم سفينة التحقيق والكرامة ، وخزانة الشرف في الولاية ، أبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري ، كان ابن نوبى واسمه ثوبان ، وهو من خيار الصوفية ، ومن أشهرهم معرفة بعلوم الروح وذلك لأنه سار في طريق الألم ، وطرق سبيل الملامة ، ولم يدرك أهل مصر حقيقة مقامه ، ولم يؤمنوا بعلو قدره حتى مات . وفي الليلة التي رفع فيها . رأى سبعون شخصا النبي عليه الصلاة والسلام في منامهم يقول « أتيت ألقى ذا النون حبيب اللّه » . وبعد أن مات وجدت هذه العبارة منقوشة على جبهته : هذا حبيب اللّه ، مات في حب اللّه ، قتيل اللّه وتجمعت أطيار السماء فوق نعشه أثناء جنازته ، ورفرفت بأجنحتها معا لتظله وعندما رأى المصريون ذلك شعروا بالندم على ظلمهم له . وله حكم رائعة في علوم التصوف منها « العارف كل يوم أخشع ، لأنه في كل ساعة أقرب » « 1 » إذ عندما يدرك مدى قدرة اللّه ، وتسيطر عظمته على
--> ( 1 ) طبقات الصوفية ص 36 .